ابن بسام
110
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
مضمون ، وسوّلوا له أنّه إذا فكّ أغلالهم ، ووصل بحبل الحياة حبالهم ، غسل جوانحهم ، وتألّف نصائحهم ، وشاركهم في ذوات صدورهم ، واعتدّ عليهم منّة نشورهم ، والبعثة من قبورهم . فأثار منهم مدى وشفارا ، [ أعدّ ] [ 1 ] بهم لخراب ملكه أعوانا وأنصارا . فأدخلهم البلد سرا من بعض مداخله الخفيّة ، وقد سترهم باللثم ، وأوهم أنّهم بعض الحرم ، حتى وصلوا إليه ، ومثلوا بين يديه ، وذلك اليوم يوم الجمعة لعشر خلت لمحرّم سنة ثمان وستين . وكان الذي مالأ ابن ذي النّون على ذلك ، وسهّل له - زعموا - تلك المناهج الخبيثة والمسالك ، الفقيه ابن المشّاط متولّي القضاء كان يومئذ بقونكة . وكان أبو بكر ابن الحديدي [ يألفه ] [ 2 ] ويسكن إليه قديما ، فاستدرجه بالأمان ، واستفزّه إلى مصرعه يومئذ بمزوّرات الأيمان ، حتى جرّعه رداه ، وأسلمه إلى عداه . ودخل ابن الحديديّ يومئذ القصر ، والمقدار يزعجه ، والخائن الغدّار ابن المشّاط [ 3 ] يستدرجه . فلما أفضى إلى مجلس ابن ذي النّون رأى وجوها قد أمنها ممّا تخوّفها ، / وأنكرها من طول ما عرفها ، فأيقن بالشرّ لا خلاص ، ولات حين مناص . ثمّ وطّن لمحنته ، واتّكأ فضل منّته ، فجاذبهم أطراف الخصام ، وطلع عليهم من ثنايا النّقض والإبرام . فقام ابن ذي النّون من موضعه وابن الحديديّ متعلّق بأذياله ، مستجير به من أقتاله . فشغبوا عليه وشغلوه ، وأحاطوا به حتى قتلوه . فقضي الأمر ، وانقضى العجز والصّدر . ولمّا أحسّت العامّة بقتله ، وهمّت بسلاحها من أجله ، ثار أولئك المخرجون في وجوههم ، أطلال في أسمال . فأخذ كلّ واحد منهم بطرف من الطريق ، وذهب ممّن كان هنالك من العامّة بفريق ، بين صديق لهم يسرّ ، وعدوّ يفرّ . وتشاغلوا بنهب دور بني الحديديّ حين عجزوا عن نصرته . وعلموا أن لا سبيل إلى كرّته . ولم يكن إلا ك « لا » حتى أصبحت حبلا [ 4 ] رثّا ، وهباء منبثا . وظنّ ابن ذي النّون [ أنّه ] قد راع أحشاء [ 5 ] الأيام بفتكة برّاضيّة ، وهتك أستار الخطوب عن حيلة عمريّة . ولعمري لقد راع ولكن آمن سربه ، ولقد هتك ولكن حجاب قلبه . أخلى وجهه لشرار أغمار ، لم تكن لهم أحلام تحجرهم ، ولا حلوم توقّرهم ،
--> [ 1 ] بياض في ص بقدر كلمة . [ 2 ] بياض بقدر كلمة . [ 3 ] ص : السقاط . [ 4 ] ص : خيلا . [ 5 ] ص : أحشاع .